ابن عربي
302
مجموعه رسائل ابن عربي
وشاهد يوسف ( ع ) ألا ترى صاحب العين يتقوى عنده تخيلا حاكما به حصول الجمل في القدر والطفل في القبر فيكون ذلك وهذه صفة أثبتها الشرع ونعود منها ولكن الفرق بيننا وبين طائفة أخرى أنها عندنا كلها أسباب يفعل الحق سبحانه وتعالى الأشياء عندها لا بها وغيرنا يعتقد خلاف هذا وإن الأسباب هي الفاعلة ومن هذا الباب أعني انفعال الأجسام الهمم التي هي القوى النفسية أنا نرى شخصا قد ملكه الوهم في أمر ما حتى قضي عليه مثال ذلك شخص نصب له لوح عرض شبر أو شبرين من حائط إلى حائط بينهما فراغ بعيد فتكلّف المشي عليه فعندما يرى الهواء تحته يتخيل في نفسه السقوط في الأرض فإذا تقوى عليه هذا الوهم وغلب سقط الجسم لحينه في الأرض وقد كان ذلك الشخص يمشي على عرض كف أو أصبح ولا يقع ولا يسقط ومثل هذا كثير ومنها أحوال المريدين والقشعريرة ولو رأيت بعين العلم لرأيت إن كل حركة في الوجود أصلها هذه النكتة لكنه يغمض فهذه القوى الإلهية المركبة في النفوس خرق العوائد على مراتبها ومن هذا الباب ما نشاهده من بعض أشخاص جبلهم اللّه على الدعابة بحيث إذا تكلموا أثروا في نفوس السامعين لهم طربا شديدا وضحكا حتى يظهر ذلك على أجسامهم يضحك الملوك في حال توقيرهم ولا يستطيعون أن يملكون ذلك الطرب والفعل للأجسام تنفعل له إنفعالا عظيما لا انطباعه في النفس إنطباعا لم ينظر منه إلى سواه وقد نجد من يأتي بذلك الكلام بعينه ولا يكون عنده هذه القوة بل يستثقل وأعجب من هذا أن يوجد عن هذه القوة همم فعالة على السماع من غير مشاهدة لها كقوم أخبروا عمن هذه صفته فاستظرفوا أخباره وتاقت نفوسهم إلى سماعها منه فيأتيهم شخص يقال لهم هذا فلان الذي كنتم تتمنونه وليس هو فعند ما يتكلم بكلام مستثقل وجد عند ذلك طرب عند أولئك وليس طربهم بما تكلم في التحقيق وإنما طربهم تخيلهم الثابت في نفوسهم المانع لهم من النظر فيما تكلم هذا الشخص وقياسه على ما سمع من أخباره بل كان ذلك السماع كسماعهم أصوات الموسيقي الذي هو صوت مجرد وتأثيره منه وهذا هو التعشق النفساني الذي يعرفه الحكيم فإن قيل أن الساحر وصاحب القوة النفسية التي هي أثر لخرق العوائد عندك إذا ادّعى النبوة وأراد خرق عادة لصدق دعواه بقوته النفسية وقد دل الدليل أن ذلك الأمر لا يقع على وفق دعواه أصلا فلو صح أن خرق العوائد أصلها القوة النفسية لوقع الأمر لهذا المدعي إذا هو صاحب قوة قلنا القوة ليست على مرتبة واحدة بل تتفاضل تفاضل بينا عند العقلاء فإذا كان هذا التفاضل فقوي الأنبياء